أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

159

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« ويذرهم » بياء الغيبة كما تقدم وسكون الراء . وخرج أبو البقاء هذا التسكين على وجهين : أحدهما : التسكين لتوالي الحركات . والثاني : أنه مجزوم عطفا على « يُؤْمِنُوا » ، والمعنى : جزاء على كفرهم ، وأنه لم يذرهم في طغيانهم ، بل بيّن لهم » . وهذا الثاني ليس بظاهر ، و « يَعْمَهُونَ » في محل حال ، أو مفعول ثان ، لأن الترك بمعنى التصيير . قوله : قُبُلًا . قرأ نافع وابن عامر « قُبُلًا » هنا ، وفي الكهف « 1 » بكسر القاف وفتح الباء . والكوفيون هنا ، وفي الكهف بضمهما . وأبو عمرو وابن كثير بضمهما هنا ، وكسر القاف وفتح الباء في الكهف . وقرأ الحسن البصري وأبو حيوة ، وأبو رجاء بالضم والسكون . وقرأ أبيّ والأعمش « قبيلا » بياء مثناة من تحت بعد باء موحدة مكسورة . وقرأ طلحة بن مصرّف « قبلا بفتح القاف وسكون الباء . فأما قراءة نافع وابن عامر ففيها وجهان : أحدهما : أنها بمعنى : مقابلة ، أي : معاينة ومشاهدة ، وانتصابه على هذا على الحال ، قاله أبو عبيدة ، والفراء والزجاج ، ونقله الواحدي أيضا عن جميع أهل اللغة ، يقال : لقيته قبلا ، أي : عيانا . وقال ابن الأنباري : قال أبو ذر : قلت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنبيا كان آدم ؟ فقال : نعم ، كان نبيا كلمه اللّه قبلا » ، وبذلك فسّرها ابن عباس وقتادة وابن زيد ، ولم يذكر الزمخشري غيره ، فهو مصدر في موضع الحال كما تقدم . والثاني : أنها بمعنى ناحية وجهة ، قاله المبرد وجماعة من أهل اللغة كأبي زيد . وانتصابه حينئذ على الظرف ، كقولهم : لي قبل فلان دين ، وما قبلك حقّ ، ويقال : لقيت فلانا قبلا ، ومقابلة ، وقبلا ، وقبلا ، وقبليّا ، وقبيلا ، كله بمعنى واحد . ذكر ذلك أبو زيد ، وأتبعه بكلام طويل مفيد ، فرحمه اللّه تعالى وجزاه خيرا . وأما قراة الباقين هنا ففيها أوجه : أحدها : أن يكون « قُبُلًا » : جمع « قبيل » بمعنى : كفيل ، كرغيف ورغف ، وقضيب وقضب ، ونصيب ونصب . قال الفراء والزجاج : جمع « قبيل » بمعنى : كفيل » أي : كفلاء بصدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ويقال : قبلت الرّجل أقبله قبالة - بفتح الباء في الماضي والقاف في المصدر ، أي : تكفلت به . والقبيل والكفيل والزّعيم والأدين والضّمين والحميل بمعنى واحد . وإنما سميت الكفالة قبالة ، لأنها أوكد بقبل وباعتبار معنى الكفالة سمي العهد المكتوب قبالة . وقال الفراء - في سورة الأنعام - : قبلا جمع قبيل ، وهو الكفيل . قال : وإنما اخترت هنا أن يكون القبل في معنى الكفالة ، لقولهم : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ، يضمنون ذلك . الثاني : أن يكون جمع « قبيل » بمعنى : جماعة جماعة ، أو صنفا صنفا ، والمعنى : وحشرنا عليهم كلّ شيء فوجا فوجا ، ونوعا نوعا من سائر المخلوقات . الثالث : أن يكون « قبلا بمعنى قبلا كالقراءة الأولى في أحد وجهيها ، وهو المواجهة ، أي : مواجهة ومعاينة ، ومنه : آتيك قبلا لا دبرا ، أي : آتيك من قبل وجهك ، وقال تعالى : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ « 2 » وقرىء لقبل عدّتهنّ » أي : لاستقبالها . وقال الفراء : « وقد يكون قبلا من قبل وجوههم » . وأما الذي في الكهف فإنّه يصحّ فيه

--> ( 1 ) آية ( 55 ) . ( 2 ) سورة يوسف ، آية ( 26 ) .